فصل: تفسير الآيات (39- 40):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (36):

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36)}
قوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ} أي: ذلك المصباح في بيوت. وقيل: يوقد في بيوت، والبيوت: هي المساجد، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض».
وروى صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله تعالى: {في بيوت أذن الله}، قال: إنما هي أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: {أَنْ تُرْفَعَ} قال مجاهد: أن تبنى، نظيره قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} [لبقرة- 127]، قال الحسن: أي تعظم أي لا يذكر فيه الخنَا مِنَ القول. {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتلى فيها كتابه، {يُسَبِّح} قرأ ابن عامر وأبو بكر {يُسَبَّح} بفتح الباء على غير تسمية الفاعل، والوقف على هذه القراءة عند قوله: {والآصال}، وقرأ الآخرون بكسر الباء، جعلوا التسبيح فعلا للرجال، {يُسَبِّحُ لَهُ} أي: يصلي، {لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} أي بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات. فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما. وقيل: أراد به صلاة الصبح والعصر.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد ابن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا همام بن أبي حمزة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس حدثه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى البردين دخل الجنة». وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التسبيح بالغدو صلاة الضحى أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن السمعان، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الهيثم بن حميد، أخبرني يحيى بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إيّاه فأجْرُه كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين».

.تفسير الآيات (37- 38):

{رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)}
{رِجَالٌ} قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد، {لا تُلْهِيهِمْ} لا تشغلهم، {تِجَارَة} قيل خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعًا لأنه ذكر البيع بعد هذا، كقوله: {وإذا رأوا تجارة} [الجمعة- 11] يعني: الشراء، وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يديه. قوله: {وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} عن حضور المساجد لإقامة الصلاة، {وإقام} أي: لإقامة، {الصلاة} حذف الهاء وأراد أداءها في وقتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وأعاد ذكر إقامة الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه أراد بإقام الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة}.
{وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} المفروضة، قال ابن عباس رضي الله عنه: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وقيل: هي الأعمال الصالحة. {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ} قيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر، وتنفتح الأبصار من الأغطية، وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء تخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتقلب الأبصار من هوله أي: ناحية يؤخذ بهم ذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون الكتب أم من قبل الأيمان أم من قبل الشمائل، وذلك يوم القيامة. وقيل: تتقلب القلوب في الجوف فترتفع إلى الحنجرة فلا تنزل ولا تخرج، وتقلب البصر شخوصه من هول الأمر وشدته. {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} يريد: أنهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، أي بأحسن ما عملوا، يريد: يجزيهم بحسناتهم، وما كان من مساوئ أعمالهم لا يجزيهم بها، {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} ما لم يستحقوه بأعمالهم، {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ثم ضرب لأعمال الكفار مثلا فقال تعالى:

.تفسير الآيات (39- 40):

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)}
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} السراب الشعاع الذي يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري، يشبه الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه انفّش فلم يَرَ شيئًا والآل ما ارتفع من الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة يرفع فيه الشخوص يرى فيه الصغير كبيرًا والقصير طويلا والرقراق يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي جاء وذهب. والقيعة: جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض، وفيه يكون السراب، {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ} أي: يتوهمه العطشان، {مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَه} أي: جاء ما قد رأى أنه ماء. وقيل: جاء موضع السراب، {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} على ما قدره وحسبهُ كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه مَلَك الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى منه شيئًا ولا نفعه. {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَه} أي: عند عمله، أي: وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله، {فَوَفَّاهُ حِسَابَه} أي جزاء عمله، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول: مثل أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات، {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} وهو العميق الكثير الماء، ولُجَّة البحر: معظمه، {يَغْشَاه} يعلوه، {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} متراكم، {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ}، قرأ ابن كثير برواية القواس: {سحاب} بالرفع والتنوين، {ظُلُمَاتٌ} بالجر على البدل من قوله: {أو كظلمات}. وروى أبو الحسن البري عنه: {سحاب}، {ظلماتٍ} بالإضافة، وقرأ الآخرون {سحابٌ}، {ظلماتٌ}، كلاهما بالرفع والتنوين، فيكون تمام الكلام عند قوله: {سحاب} ثم ابتدأ فقال: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر بعضها فوق بعض، أي: ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج فوق الموج، وظلمة السحاب على ظلمة الموج، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه.
قال أبي بن كعب: في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار.
{إِذَا أَخْرَجَ} يعني: الناظر، {يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة. وقال الفراء: {يكد} صلة، أي: لم يرها، قال المبرد: يعني لم يرها إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه، ولكن بعد يأس وشدة. وقيل: معناه قرب من رؤيتها ولم يرها، كما يقال: كاد النعام يطير. {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله فلا إيمان له ولا يهديه أحد. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر. والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار.

.تفسير الآيات (41- 43):

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ (43)}
قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} باسطات أجنحتهن بالهواء. قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض، {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} قال مجاهد: الصلاة لبني آدم، والتسبيح لسائر الخلق. وقيل: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه. قوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ} أي: كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه. وقيل: معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي} يعني: يسوق بأمره، {سَحَابًا} إلى حيث يريد، {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي: بجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} متراكما بعضه فوق بعض، {فَتَرَى الْوَدْقَ} يعني المطر، {يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} وسطه وهو جمع الخلل، كالجبال جمع الجبل. {وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} يعني: ينزل البرد، و{من} صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء من جبال، أي: مقدار جبال في الكثرة من البرد، و{من} في قوله: {من جبال} صلة، أي: وينزل من السماء جبالا من برد. وقيل: معناه وينزل من جبال في السماء تلك الجبال من برد. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبر الله عز وجل أن في السماء جبالا من برد، ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها برد، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. قال أهل النحو ذكر الله تعالى: {من} ثلاث مرات في هذه الآية فقوله: {من السماء} لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السماء، وقوله تعالى: {من جبال} للتبعيض لأن ما ينزله الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء، وقوله تعالى: {من برد} للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد. {فَيُصِيبُ بِهِ} يعني بالبرد {مَنْ يَشَاءُ} فيهلك زروعه وأمواله، {وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} فلا يضره، {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} يعني ضوء برق السحاب، {يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ} شدة ضوئه وبريقه، وقرأ أبو جعفر: {يُذْهِب} بضم الياء وكسر الهاء.

.تفسير الآية رقم (44):

{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ (44)}
{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهرَ وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار» قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه الأشياء، {لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ} يعني: دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده.

.تفسير الآيات (45- 47):

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)}
قوله عز وجل: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} قرأ حمزة والكسائي، {خالقُ كُلِّ} بالإضافة، وقرأ الآخرون {خَلَقَ كُلَّ} على الفعل، {مِنْ مَاءٍ} يعني: من نطفة، وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن، لأنا لا نشاهدهم. وقيل: أصل جميع الخلق من الماء، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم جعل بعضه ريحًا فخلق منها الملائكة، وبعضه نارًا فخلق منها الجن، وبعضها طينًا فخلق منها آدم، {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} كالحيات والحيتان والديدان، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} مثل بني آدم والطير، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} كالبهائم والسباع، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض، لأنها في الصورة كالتي يمشي على الأربع، وإنما قال: {من يمشي} و{مَنْ} إنما تستعمل فيمن يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم، لأنه ذكر كل دابة، فدخل فيه الناس وغيرهم، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة لمن يعقل. {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍقَدِيرٌ} {لَقَدْ أَنزلْنَا} إليك، {آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} يعني: المنافقين يقولونه، {ثُمَّ يَتَوَلَّى} يعرض عن طاعة الله ورسوله، {فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِك}، أي: من بعد قولهم: آمنَّا ويدعو إلى غير حكم الله. قال الله عز وجل: {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} نزلت هذه الآية في بِشْرٍ المنافق، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمدًا يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية.

.تفسير الآيات (48- 53):

{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُم الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)}
وقال: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} الرسول بحكم الله، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} أي عن الحكم. وقيل: عن الإجابة. {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} مطيعين منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضًا بالحق. {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا} أي: شكوا، هذا استفهام ذم وتوبيخ، أي: هم كذلك، {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} أي: بظلم، {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى كتاب الله ورسوله، {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} هذا ليس على طريق الخبر لكنه تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا، ونصب القول على الخبر واسمه في قوله تعالى: {أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: فيما ساءه وسره {وَيَخْشَ اللَّهَ} على ما عمل من الذنوب. {وَيَتَّقْهِ} فيما بعده، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} الناجون، قرأ أبو عمرو وأبو بكر {يتقه} ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر ويعقوب وقالون، كما في نظائرها ويشبعها الباقون كسرا، وقرأ حفص {يتَّقْهِ} بسكون القاف واختلاس الهاء، وهذه اللغة إذا سقطت الياء للجزم يسكنون ما قبلها، يقولون: لم أشترْ طعامًا بسكون الراء. قوله عز وجل: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} جهد اليمين أن يحلف بالله، ولا حلف فوق الحلف بالله، {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنّ} وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال تعالى: {قُل} لهم {لا تُقْسِمُوا} لا تحلفوا، وقد تم الكلام، ثم قال: {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} أي: هذه طاعة بالقول وباللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة أي: أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه. وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن سليمان: لتكن منكم طاعة معروفة. {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.